الشيخ محمد رشيد رضا
150
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومكان ، وعلى عهد كل دين من الأديان ، يستنون بسنة مشركي الجاهلية ، ولا تطمئن قلوبهم الا بخرافات الوثنية ، فإن لم يستقسموا بالأزلام استقسموا بما هو مثلها وفي معناها ، ولكنهم يسمون عملهم هذا اسما حسنا ، كما يفعل بعض المسلمين حتى عصرنا هذا بالاستقسام بالسبح وغيرها ، ويسمونه استخارة وما هو من الاستخارة التي ورد الاذن بها في شيء . وقد يسمونه اخذ الفال ، وذلك انهم يقتطعون طائفة من حب السبحة ويحولونه حبة بعد أخرى يقولون « افعل » على واحدة و « لا تفعل » على أخرى ويكون الحكم الفصل للحبة الأخيرة ، وبعضهم يقول كلمات أخرى بهذا المعنى ، تختلف كلماتهم كما كانت تختلف كلمات سلفهم من الجاهلية والمعنى والمقصد واحد . ومنهم من يستقسم بورق اللعب الذي يقامرون به أحيانا ، ومنهم من يأخذ الفال بفصوص النرد ( الطاولة ) وأمثاله من أدوات اللعب . وفصوص النرد هذه هي كعاب الفرس التي أدخلها مجاهد في الأزلام وجعلها كسهام العرب في التحريم سواء . وقد ورد في الأحاديث ما يؤيد تحريمها . ومنهم من يستقسم أو يأخذ الفال أو الاستخارة - كما يقولون - بالقرآن العظيم ، فيصبغون عملهم بصبغة الدين ، وهو يتوقف على النص لان الزيادة في الدين كالنقص منه ، وهل يحلّ عمل الجاهلية بتغيير صورته ؟ ويلبس الباطل ثوب الحق فيصير حقا ؟ اللهم انك أنزلت القرآن هدى للمتقين فترك قوم الاهتداء وحرموه على أنفسهم ، واكتفوا مما يدعون من الايمان به والتعظيم له بالاستقسام به كما كانت الجاهلية تستقسم بالأزلام ، أو الاستشفاء بمداد تكتب به آياته في كاغد اوجام ، اللهم لا تؤاخذنا بذنوبهم في الآخرة ، فقد كفانا ما أصاب الأمة بضلالهم في هذه الحياة العاجلة ، اللهم واجعل لنا فرجا ومخرجا من فتنتهم ، وفتنة من تركوا الدين كله استنكافا من خرافاتهم وخرافات أمثالهم ، وليعلم القارئ أن العادة والألف يجعلان البدعة معروفة كالسنة ، والسنة منكرة كالبدعة ، فما حاول أحد إماتة بدعة أو احياء سنة الا وأنكر الناس عليه عمله باسم الدين ، ولا طال العهد على بدعة الا وتأولوا لفاعليها وانتحلوا لها مسوغا من الدين ، ومن ذلك زعم بعضهم ان ما يفعله بعض الناس من الاستقسام بالسبح وغيرها يصح ان يعد من الفأل الحسن وقد روى ابن ماجة عن أبي هريرة والحاكم عن عائشة انه